مولي محمد صالح المازندراني
154
شرح أصول الكافي
فرادها على وجه الاحتذاء ، بخلاف الملاحدة فإنهم يسندون حدوث الأفراد إلى الطبايع . ( فدفع ( عليه السلام ) بقوله : لا من شيء خلق ما كان جميع حجج الثنوية وشبههم ) العطف للتفسير والتنبيه على أن ما هو حجة بزعمهم فهو شبهة منسوجة من الباطل في الحقيقة ( لأن أكثر ما يعتمد الثنوية ) المراد بالأ كثرية الأ كثرية بحسب القوة والاستعمال في مقام الاحتجاج لا الأ كثرية بحسب العدد فلا يرد أن ما نقله منهم واحد فلا يصح وصفه بالأ كثرية ( في حدوث العالم ) أي في حدوث العالم من أصل ومثال كما هو مذهبهم أو في نفي حدوث العالم على سبيل الإبداع والاختراع كما هو الحق ( أن يقولوا : لا يخلو من أن يكون الخالق خلق الأشياء من شيء ) أي من مثال سابق بالاقتداء به وإجراء مثل ما وقع فيه من التدبير على خلقه ( أو من لا شيء ) والثاني باطل إذ لا يجيء من لا شيء شيء بالضرورة فتعين الأول وهو المطلوب . الجواب أن كل واحد من شقي الترديد باطل وأن الشق الثاني ليس نقيضاً للشق الأول حتى يلزم من بطلان الثاني كما قالوا ثبوت الأول ومن بطلانهما كما قلنا ارتفاع النقيضين ، وإنا نختار شقاً ثالثا هو النقيض للأول وهو : أنه خلق لا من شيء . أما وجه بطلان شقي الترديد فأشار إليه المصنف بقوله ( فقولهم من شيء خطأ ) لأنه يستلزم عجز الواجب وسلب التدبير عنه وافتقاره إلى الغير في تنفيذ قدرته وثبوت قديم غيره وكل ذلك محال ( وقولهم من لا شيء مناقضة وإحالة ) المحال من الكلام بالضم ما عدل عن وجهه كالمستحيل وأحال وأتى بالمحال ( لأن « من » توجب شيئاً « ولا شيء » تنفيه ) يعني أن لفظة « من » الابتدائية توجب شيئاً يقع الابتداء منه ، ومدخولها وهو لفظة لا شيء ينفي ذلك الشيء ضرورة أن اللا شيء لا يصدق على شيء من الأشياء ، فبين مفهوم « من » ومفهوم اللاشيء تناقض ، فلا يصح قولهم « من لا شيء » أيضاً ، وإذا ثبت بطلان شقي الترديد كليهما ثبت أنه لا تناقض بينهما . وأما الشق الثالث فهو ما اختاره ( عليه السلام ) كما أشار إليه المصنف بقوله ( فأخرج أمير المؤمنين ( عليه السلام ) هذه اللفظة ) أي هذه العبارة المشتملة على الترديد أو قولهم خلق الأشياء من لا شيء ( على أبلغ الألفاظ وأصحها ) من حيث اللفظ والمعنى ( فقال ( عليه السلام ) لا من شيء خلق ما كان ) فإنه رد عليهم بأن ترديدهم ليس بحاصر لعدم وقوعه بين النفي والإثبات فإن قولهم « من لا شيء » ليس رفعاً ونقيضاً لقولهم « من شيء » بل قولنا « لا من شيء » دفع ونقيض له فإن نقيض الابتداء من شيء سلب الابتداء من ذلك الشيء لما تقرر من أن نقيض كل شيء رفعه لا الابتداء من « لا شيء » إذ لا تناقض بين الموجبتين ، وإن كان المحمول في إحداهما متضمناً للسلب ، ولما لم يكون ترديدهم حاصراً اختار ( عليه السلام ) شقاً ثالثاً